الجواد الكاظمي
273
مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام
فيجوز النظر إليه ومن هنا لم يتعرّض صاحب الكشاف لهذا التّقييد . والحق ان المقام في غاية الأشكال ( 1 ) والاحتياط غير خفي على من قصده . « وليضربن بخمرهن » مقانعهن جمع خمار « على جيوبهن » ليحصل بذلك ستر
--> ( 1 ) وزبدة المخض في المسئلة أنه اختلف علماؤنا الإمامية في جواز النظر إلى وجه النساء الأجنبيات واكفهن في غير مورد الضرورة لغير من يريد التزويج على ثلاثة أقوال : الأول جواز النظر مطلقا ولو مكررا هو المحكى عن الشيخ في النهاية وكتابي الحديث والتبيان والكليني وجماعة من المتأخرين وقد اختاره المحقق النراقي في المستند والجزائري في قلائد الدرر والعلامة الأنصاري في رسالة النكاح وقواه في الكفاية والحدائق والمسالك وجامع المقاصد ومال إليه أيضا آية الله الحكيم رضوان الله عليه في المستمسك . والثاني الحرمة مطلقا وهو المحكي عن التذكرة والايضاح واختاره في الجواهر وقواه السيد محمد باقر اللكهنوي في رسالته الموسومة باسداء الرغاب في مسئلة الحجاب ومال إليه في كشف اللثام . والثالث جواز النظر مرة وحرمة الزائد أي في وقت واحد عرفا وه والمحكي عن المحقق والعلامة في أكثر كتبه وجمع آخر . والمختار عندي هو القول الأول وهو الجواز مطلقا ويدلنا على ذلك طوائف من الاخبار : الأولى ما دل على تفسير الآية كالحديث المارة قبيل ذلك عن الفضيل وزرارة وأبي بصير ورواية أبي الجارود في تفسير القمي ص 280 عن أبي جعفر عليه السلام في قوله ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها في الثياب والكحل والخاتم وخضاب الكف والسوار والزينة ثلاث زينة للناس وزينة للمحرم وزينة للزوج فأما زينة الناس فقد ذكرناه وأما زينة المحرم فموضع القلادة فما فوقها والدملج وما دونه والخلخال وما أسفل منه وأما زينة الزوج فالجسد كله وقد نقله عنه في نور الثقلين ج 3 ص 592 الرقم 119 والبرهان ج 3 ص 130 بالرقم 8 وفي قلائد الدرر ج 3 ص 168 وفي جوامع الجامع ص 309 ط 1321 وعنهم عليهم السلام الكفان والأصابع . الثانية ما ورد في جواز ابداء الوجه والكفين والنظر إليها مع قطع النظر عن التعرض لتفسير الآية مثل الصحيح المروى في قرب الإسناد ص 40 ط إيران عن أبي عبد الله عليه السلام سئل عما يظهر المرأة من زينتها قال الوجه والكفين صرح بصحة الحديث في الكفاية . وحديثه الآخر ص 102 عن علي بن جعفر عن أخيه موسى قال وسألته عن الرجل ما يصلح أن ينظر إلى المرأة التي لا تحل له قال الوجه والكفان وموضع السوار ولم يستبعد في الكفاية صحة هذا الحديث أيضا . ورواية مروك في الكافي الباب المتقدم الحديث 2 منه عن أبي عبد الله ما يحل للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرما قال الوجه والكفان والقدمان ورواه في الخصال أيضا بالرقم 78 من أبواب الخمسة ص 302 ط مكتبة الصدوق . قال العلامة الأنصاري قدس سره في رسالته في النكاح المطبوعة مع كتابه في المكاسب ص 274 : لكن فيها زيادة ذكر القدمين ولا يقدح لأن طرح بعض الرواية لا يسقط باقيها عن درجة الاعتبار انتهى . واستقرب في الحدائق وقلائد الدرر كون القدمين أيضا من المستثناة لمكان هذه الرواية . ومن الأخبار الدالة على الجواز أيضا صحيحة علي بن سويد المروية في الكافي ج 2 ص 70 باب الزاني الحديث 6 وهو في المرات ج 3 ص 518 والوافي الجزء 9 ص 34 . وفي الوسائل الباب 1 من أبواب النكاح المحرم وما يناسبه الحديث 3 ج 3 ص 39 : قال قلت لأبي الحسن إني مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة فيعجبني النظر إليها فقال لي يا علي لا بأس إذا عرف الله من نيتك الصدق وإياك والزنا فإنه يمحق بالبركة ويهلك الدين انتهى الحديث . وكون الراوي من أهل الصنايع والحرف لا يوجب اضطراره إلى معاملة النساء بل لو كان أسفارهن حراما لأمره الإمام بردعهن إقامة لفريضة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . الثالثة ما ورد في جواز النظر عند الاضطرار مثل صحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر المروية في الكافي ج 2 ص 68 باب المرأة تصيبها البلاء في جسدها الحديث 1 وهو ف المرات ج 3 ص 516 والوافي الجزء 12 ص 121 والوسائل الباب 129 من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1 وفيه سألته عن المرأة المسلمة إلى أن قال في مكان لا يصلح النظر إليه يدل الحديث على أن في جسد المرأة مكانا يحل النظر إليه وليس الا الوجه والكفين اجماعا . الرابعة ما ورد في غسل الميتة أنظر الوسائل الباب 22 من أبواب غسل الميت ج 1 ص 135 ط الأميري فالحديث 1 منه حديث مفضل في المرأة التي تكون في السفر إلى أن قال يغسل بطن كفيها ثم يغسل وجهها ثم يغسل ظهر كفيها وحديث داود بن فرقد الحديث 2 منه عن المرأة تموت إلى أن قال يغسلون كفيها ومثله حديث الجابر الحديث 8 منه وفي حديث أبي بصير الحديث 6 منه عن امرأة ماتت في سفر إلى أن قال يغسل منها موضع الوضوء . وفي حديث أبي سعيد الحديث 10 منه ما يشعر بأن في الأعضاء ما يحل النظر إليه في حال الحياة وليس الا الوجه والكفين اجماعا وترى هذه الأحاديث في جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 269 وص 270 بالرقم 2590 إلى 2593 و 2608 وفي الوافي الجزء 13 ص 44 وص 45 وص 46 . الخامسة ما ورد في باب ما يجوز أن تلبسه المحرمة من كتاب الحج المصرح بكشف الوجه المستلزم الرؤية غير المحارم لها أنظر الوسائل الباب 48 من أبواب تروك الاحرام ج 2 ص 263 ط الأميري بل في الحديث 4 من الباب المذكور كشف الإمام بنفسه عن وجه امرأة ستره بمروحة واحتمال كون المرأة محرما له بعيد . السادسة فحوى أخبار كثيرة في أبواب النظر إلى النسوة المتضمنة لحكمه منعا وجوازا وسؤالا وجوابا من جهة كون محط الحكم بطرفيه هو الشعر والرأس والذراعان وبالجملة ما عدا الوجه والكفين مع أنها أولى ببيان الحكم لشدة الابتلاء به فالسكوت عن حكمها مطلقا كاشف عن وضوح حكمها من الجواز والا لكان حكم المنع فيها أخفى وهي كثيرة جدا . السابعة ما دل على كراهة القنازع والعقصة ونقش الراحة بالخضاب للمرأة وأن نساء بني إسرائيل هلكن بذلك انظر الباب 100 من أبواب مقدمات النكاح من كتاب الوسائل ج 3 ص 44 ط الأميري وص 554 مستدرك الوسائل ج 2 إذ لو وجب ستر الوجه والكفين كغيرها لم يكره تزيينها كما يكره تزيين غيرها كيف شاءت . الثامنة ما ورد في شأن سيدتنا فاطمة سلام الله عليها مثل ما رواه في الكافي ج 2 ص 66 باب الدخول على النساء الحديث 5 وهو في المرات ج 3 ص 514 والوافي الجزء 12 ص 124 والوسائل الباب 120 من أبواب مقدمات النكاح الحديث 3 ج 3 ص 27 ط الأميري عن جابر قال خرج رسول الله صلى الله عليه وآله يريد فاطمة سلام الله عليها إلى أن قال ودخلت وإذا وجه فاطمة أصفر كأنه بطن جرادة وساق الحديث إلى أن قال فوالله لنظرت الدم ينحدر من قصاصها حتى عاد وجهها أحمر . وروى مثله في مستدرك الوسائل أيضا ج 2 ص 556 عن سبط الطبرسي في مشكاة الأنوار عن جابر وروى قريبا منه في البحار ط كمپاني عن الخرائج عن عمران بن الحصين ومثل ما روى أن سلمان رأي يدي سيدتنا فاطمة عن إدارة الرحى دامية حكاه في المستند ج 2 ص 471 . واستدل من قال بالتحريم مطلقا بوجوه : الأول اطلاق آية الغض والنهى عن ابداء الزينة الا للمحارم والجواب أن الآية مجملة سلمنا لكنها مقيدة بقوله الا ما ظهر وقد فسر في الأخبار الماضية بالوجه والكفين . قالوا أنها مجملة ولم يصح شيء من أخبار التفسير . قلنا أولا ان الاخبار معاضدة بعضها لبعض وثانيها ان فيها الصحيح فان خبر قرب الإسناد عن أبي عبد الله صحيح على ما صرح به في الكفاية وفيه السؤال عما يظهر المرأة من الزينة يشير إلى الآية فهو أيضا معدود مما ورد في تفسير الآية ومثله حديث الفضيل ولم يشك أحد في صحته وقد عرفت فهم اجلاء أصحابنا من الحديث استثناء الوجه والكفين . سلمنا لكن ضعف الاخبار مجبور بعمل الأصحاب مستندا إلى تلك الأخبار سلمنا لكنه مع اجمال ما ظهر كما اعترفوا به لا يمكن التمسك بعموم الغض والنهى عن الابداء وقد أسسوا في الأصول عدم صحة التمسك بعموم العام مع اجمال المخصص المتصل كما هن فعندئذ نرجع إلى الأصل الأولى في المسئلة وهو الجواز . ومع أنه لا يصل النوبة إلى الرجوع إلى الأصل فان خبري قرب الإسناد صحيحان على ما عرفت من الكفاية فلو لم نقل بكونهما في مقام تفسير الآية فلا أقل يكون مخصصا لآية الغض . فان قيل لا يجوز تخصيص الكتاب بالسنة قلنا مع أنه خلاف المذهب المنصور عدم جواز التخصيص انما هو لمكان مخالفة الكتاب ومع اجمال الكتاب كما هو المفروض لم يبق ثمة مانع عن العمل بالحديث . وقد أفصح عن بحث تخصيص الكتاب بخبر الواحد العلامة المظفر في أصول الفقه ج 1 ص 141 و 142 فراجع . الوجه الثاني الاجماع المنقول نقله الفاضل المقداد في كنز العرفان ج 2 ص 222 والتعبير فيه : لاطباق الفقهاء على أن بدن المرأة كلها عورة الأعلى الزوج والمحارم وفي دلالته على الاجماع نظر مع أنه تمسك بالاجماع في محل النزاع . الثالث الأخبار الناهية بوجه مطلق مثل ما في عقاب الأعمال من أطلع في بيت جاره فنظر إلى عورة رجل أو شعر امرأة أو شيء من جسدها كان حقا على الله أن يدخله النار مع المنافقين وفي العلل حرم النظر إلى شعور النساء إلى أن قال وكذا ما أشبه الشعور رواهما في الوسائل الباب 104 من أبواب مقدمات النكاح الحديث 12 و 16 ج 3 ص 24 و 25 ط الأميري . وفيه مع ما في دلالتهما لامكان منع كون الوجه والكفين مما أشبه الشعور وظهور الجسد في غيرها أنهما عامان فيخصصان بما دل على جواز النظر إلى الوجه والكفين . وربما عد من الأخبار الناهية ما ورد من أن النظر سهم من سهام الشيطان وان زنا العين النظر ورب نظرة أورثت حسرة طويله ، ولا يخفى عليك ظهور تلك الأخبار فيما حصل بريبه وكان بشهوة ولا نقول بحله يشهد لذلك قوله وأن زنا الفم القبلة ولا تكون الا عن شهوة والأخير ايجاب جزئي . سلمنا لكنها عمومات تخصص بالاخبار الماضية وترى تلك الأخبار في الباب المتقدم من الوسائل . الرابع مفهوم ما دل على جواز النظر إلى من يريد تزويجها تريها في الباب 36 من أبواب مقدمات النكاح من الوسائل ج 3 ص 11 و 12 ط الأميري . وفيه أن سياق الشرط فيها ليس مفيدا للتعليق مع أن في الاخبار التي أسلفنا كفاية في الخروج عن ظاهر المفهوم بحمل الباس على الكراهة بل لعله ليس مخالفا للظاهر أيضا . الخامس ما روى من أن النبي صلى الله عليه وآله صرف وجه الفضل بن عباس عن النظر إلى الخثعمية . والجواب أنه على جواز النظر أدل كما أفاده في الحدائق وجامع المقاصد والمسالك والمستمسك قال في الحدائق : وحديث الخثعمية بالدلالة على القول الأول أنسب وإليه أقرب لدلالته على جواز كشف الوجه يومئذ وعدم تحريم النظر وصرفه صلى الله عليه وآله وجه الفضل ابن العباس انما وقع لأمر آخر كما علله به من خوف الفتنة ولا كلام فيه كما عرفت لا من حيث حرمة النظر ولو كان النظر محرما لنهى عنه من أول الأمر لوجوب النهى عن المنكر وقريب منه ما في جامع المقاصد . ثم قال في الجامع وثانيا انه لا دلالة على أن صرف وجه الفضل كان على طريق الوجوب فربما كان ذلك على طريق الأولوية ولو سلم كونه للوجوب وإفادة ذلك للتحريم لم يدل على المراد هنا لأنهما أداما النظر على وجه يشعر بالميل القلبي من كل منهما ولا بحث في التحريم معه ولأنه صرح بخوف الفتنة وهو غير محل النزاع . قيل إنه علل بشبابهما وهو مظنة الشهوة وخوف الشيطان قلنا انما علل به عندما رأي شواهد الفتنة وهو إدامة النظر من كل منهما انتهى . وقريب منه ما في المسالك ومثله في المستمسك ج 12 ص 24 وفيه بعد ذلك : مضافا إلى ما يظهر من الرواية من أن المرأة كانت مكشوفة الوجه وأن النبي صلى الله عليه وآله كان ينظر إليها فرآها تنظر إلى الفضل انتهى . ثم إن حديث الخثعمية لم يروه أصحابنا الإمامية في كتبهم الحديثية وانما رووه في كتبهم الفقهية مرسلا نعم في الوسائل الباب 34 من أبواب وجوب الحج ذكر قصة سؤال الخثعمية نقلا عن مقنعة المفيد من غير ذكر أرداف الفضل وفي مستدرك الوسائل ج 2 ص 554 قصة أرداف الفضل نقلا عن بعض نسخ فقه الرضا وفيه أخت لأعرابي مكان امرأة خثعمية . وأصل الحديث في كتب أهل السنة أنظر فتح الباري ج 4 من ص 439 إلى ص 442 وشرح النووي على صحيح مسلم ج 9 ص 97 و 98 وسنن البيهقي ج 5 ص 179 وج 7 ص 98 وفي المنتقى ج 4 ص 300 نيل الأوطار أنه رواه الجماعة وهذا الحديث هو الأصل في كتب أهل السنة لجواز النيابة في الحج حيث كان سؤال الخثعمية عن ذلك واليك نص الحديث بلفظ البخاري عن ابن عباس . قال : كان الفضل رديف النبي صلى الله عليه وآله فجائت امرأة من خثعم الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فجعل النبي صلى الله عليه وآله يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر فقالت إن فريضة الله أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراجلة أنا حج عنه قال نعم وذلك في حجة الوداع انتهى . وفي الفتح في رواية الطبري عن علي وقال في آخره رأيت غلاما حدثا وجارية حدثة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان وللحديث ألفاظ أخر تريها في المصادر التي سردناها لك . الوجه السادس مكاتبة الصفار قال كتبت إلى أبي محمد إلى أن قال فوقع تنقيب وتظهر للشهود التهذيب ج 7 ص 255 بالرقم 666 والاستبصار ج 3 ص 19 بالرقم 58 والفقيه ج 3 ص 40 بالرقم 137 وفيه : وهذا التوقيع عندي بخطه عليه السلام . وفيه أنها لا تدل على وجوب التنقب لاحتمال كون الأمر بالتنقب من جهة إباء المرأة عن التكشف لكونها متسترة مستحيية عن أن تبرز للرجال فان ذلك مما يشق على كثير من النساء وان كان جايزا أذرب جائز يشق من جهة الغيرة والمروءة فان النظر إلى من يريد تزويجها جائز اتفاقا مع أنه شاق على كثير من النساء وأهليهن سيما الأبكار من أولى الاخطار . ومع ذلك أمر الإمام بالكشف للشهود . فإن لم يكونوا رأوها قبل ذلك فكيف يعرفونها مع عدم الاكتفاء بمعرفة الصوت وان كانوا رأوها ؟ فمع حرمة النظر يخرجون عن قابلية الشهادة لفسقهم وليس في الحديث أن اتفق نظرهم إليها قبل ذلك . فالحديث إذا على الجواز أدل مثل حديث ابن يقطين المروى في الكتب الثلاثة الموضع المتقدم والكافي ج 2 ص 355 وفيه : فلا يجوز للشهود أن يشهدوا عليها وعلى اقرارها دون أن تسفر وينظرون إليها والقول بأن الاسفار هيهنا للضرورة مدفوع بأن الكلام في رؤيتهم قبل ذلك حتى يعرفونها عند الشهادة . الوجه السابع : جريان السيرة بمنع النساء أن يخرجن منكشفات والاطباق في الأعصار على المنع من خروجهن سافرات . والجواب أنه مخالف للوجدان والعيان فان الناس مختلفة في ذلك في الأزمنة والأمكنة مع احتمال استناده إلى الغيرة والاحتجاب عن الناظر بشهوة قال في جامع المقاصد : حتى أنه لو علم اطباقهم على وجوبه لم يدل على المراد لأنه لم يتحقق الاحتجاب عن الناظر بشهوة الا بالاحتجاب مطلقا لان المقصود لا يطلع عليها انتهى . الوجه الثامن أن النظر مظنة للفتنة فالأليق بمحاسن الشرع حسم الباب والجواب المنع على سبيل الاطلاق ولو سلم فلا يوجب الحرمة وقال العلامة الأنصاري في الجواب أن المعهود من الشارع حسم الباب في أمثال هذه المظان بالحكم بالكراهية دون التحريم كما يعلم بالتتبع في الأحكام الشرعية مع أن هذا استحسان لا نقول به انتهى . قلت واصل الاستدلال انما يصح على مبنى المالكية حيث يقولون بقاعدة سد الذرائع ويجعلونها أصلا من أصول الاحكام أنظر البحث في ذلك في الفروق للقرافي ج 2 ص 32 إلى ص 34 الفرق الثامن والخمسين الفرق بين قاعدة المقاصد وقاعدة الوسائل وتهذيب الفروق المطبوع بهامشه للشيخ محمد علي مفتي المالكية بمكة المكرمة بأني طبع الفروق في 1345 من ص 41 إلى ص 45 وتبعهم في تلك القاعدة أحمد وابن تيمية وأطال الكلام فيها ابن القيم الجوزية في الاعلام الموقعين ج 3 من ص 147 إلى ص 171 وأكثر من الأمثلة وأنهاها إلى تسعة وتسعين مثالا . وحاصل القاعدة انهم يقولون إذا حرم الرب شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها تحقيقا لتحريمه وتثبيتا ومنعا من أن يقرب حماه ويسمون ما تتضمن المصلحة والمفسدة بأنفسها بالمقاصد والطرق المفضية إلى المقاصد بالوسائل والذرايع . ويظهر من الفروق أن القاعدة ليست من خواص مالك بل هو مذهب الفقهاء الآخر أيضا وان لم يتفقوا في حدود ما يأخذون منها ويتركون ثم استحسن تعميم القاعدة وال حكم بتعية الوسائل حكم المقاصد في الوجوب والكراهة والندب والحرمة والإباحة وقال إن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها وتكره وتندب وتباح وحاصله لزوم تبعية المقدمة لحكم ذي المقدمة في الأحكام الخمسة وان لم يقع منه هذا التعبير ومثله في تهذيب الفروق . وأما الشيعة الإمامية فالمحققون منهم على عدم التبعية ، وافصح البيان فيه العلامة المظفر في كتابه أصول الفقه ج 2 ص 84 وص 85 فراجع هذا في مقدمة الواجب وأما مقدمة الحرام فلم يقولوا بتبعية أصلا في غير ما لا يتمكن معه المكلف من ترك الحرام . قال المحقق الخراساني قدس سره في الكفاية بعد الفراغ عن بحث مقدمة الواجب : تتمة : لا شبهة في أن مقدمة المستحب كمقدمة الواجب فتكون مستحبة لو قيل بالملازمة وأما مقدمة الحرام والمكروه فلا يكاد يتصف بالحرمة والكراهة إذ منها ما يتمكن معه ترك الحرام أو المكروه اختيارا كما كان متمكنا قبله فلا دخل له أصلا في حصول ما هو المطلوب من ترك الحرام أو المكروه فلم يترشح من طلبه طلب ترك مقدمتها . نعم ما لا يتمكن معه من الترك لا محالة يكون مطلوب الترك ويترشح من طلب تركها طلب ترك خصوص هذه المقدمة فلو لم يكن مقدمة لا يبقى معها اختيار تركه لما اتصف بالحرمة مقدمة من مقدماته انتهى كلامه رفع مقامه وأورد على نفسه بايراد وأجاب عنه فمن شاء فليراجع . ومما يبين الحرمة قوله صلى الله عليه وآله في الحديث المشهور المار بمصادره في ص 94 وص 354 إلى 356 من المجلد الأول من هذا الكتاب بألفاظه المختلفة من طرق الفريقين ان من رتع حول الحمى أو شك أن يقع فيه أوان يخالطه فان التعبير بأوشك دال على أن ما حول الحمى ليس من الحمى انما حسن مجانبته لئلا يقع في الحمى والا من رتع حول الحمى ولم يخالطه فلا يتعقبه وبال الوقوع في الحمى . ففي مسئلتنا من نظر إلى الأجنبية وجهها ولم ينته ذلك إلى الوقوع في محرم لا يكتب عليه ذنب فان وقع ذلك مكررا لا يضر بعدالة الناظر من جهة عنوان الاصرار فان انتهى إلى المحرم لا يعاقب عقابا زائدا على ما وقع فيه كما قلنا في التمتع بما دون السرة من الحائض أنه ان اتقى موضع الدم لا يكتب عليه ذنب فان انتهى إلى الوقوع في موضع الدم لا يعاقب زائدا على مخالفة اتقاء موضع الدم . فالنواهي الصادرة في أمثال تلك الموارد انما هي للارشاد ليست باحكام مولوية تأسيسية عن الشارع متوجهة إلى المقدمات والوسائل والذرايع . وأما أمثلة ابن القيم الجوزية فنقول فيما صح منه من الأمثلة : انا انما ننكر تبعية المقدمة لحكم ذي المقدمة ونقول ان للمقدمة حكمها المستقل المأخوذ من أدلته الخاصة ولا ننكر امكان جعل الحكم الشرعي للمقدمة في موارد وأن يتخذ الشارع احتياطات لبعض ملاكات أحكامه التي يحرض أن لا يفوتها المكلف بحال فيأمر أو ينهى عن بعض ما يفضي إليها تحقيقا لهذا الغرض . الا ان ذلك لا تتخذ طابع القاعدة العامة وليس فيما أكثر من الأمثلة ما يصلح لأن يتمسك بعمومه أو اطلاقه لتحريم جميع المقدمات التي تقع في طريق المحرمات مهما كان نوعها وليس علينا الا ان نتقيد بخصوص هذه المواقع التي ثبت لها التحريم . مع أن في كون النهي في كثير من أمثلته كذلك نظرا مثلا قلا في خطبة المعتدة عدة الوفاة أن الحرمة لكون الخطبة ذريعة إلى استعجال المرأة بالإجابة والكذب على انقضاء عدتها وكون تحريم الطيب للمحرم لكونه من أسباب دواعي الوطي فتحريمه من باب سد الذريعة . وقال إن النهي عن البيع وقت النداء لئلا يتخذ ذريعة إلى التشاغل بالتجارة عن حضور الجمعة وليس في أدلتها ما يصرح بأن التحريم انما هو لأجل كونها وسيلة لا لمفاسد في ذاتها توجب لها التحريم ومع الشك في النفسية والغيرية مقتضى الاطلاق النفسية لأن الغيرية مما تحتاج إلى بيان زائد ومع عدمه وهو في مقام البيان فالظاهر العدم ويطول لنا الكلام بذكر كل فرد من أمثلة والجواب عن كل بما يناسبه . واستدل القائل بحرمة الزائد على النظر مري أي في وقت واحد عرفا بالنبوي المشهور لا تتبع لنظرة بالنظرة فان الأولى لك والثانية عليك ومرسلة الفقيه أول نظرة لك والثانية عليك ولا لك والثالثة فيها الهلاك وحسنة الكاهلي النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة وكفى لصاحبها فتنة تراها وأمثالها في الوسائل الباب 104 من أبواب مقدمات النكاح . قال في المستند : والجواب عنها مضافا إلى عدم صراحتها في التحريم أن النظرة فيها مجملة فلعل المراد من النظرة الأولى الاتفاقية الواقعة على ما يحرم النظر إليه مما عدا الوجه والكفين انتهى . وقال في الجواهر هو أضعف قول في المسئلة تأباه أدلة كلا الطرفين ولم يتعرض الشيخ قدس سره لأدلة هذا القول واكتفى بذكر ان أدلتهم ضعيفة قلت ولا يخفى عليك ان سياق الكلام في الأحاديث المستدل بها سياق الارشاد ليست لاثبات حكم مولوي . فاتضحت المسئلة بحمد الله تعالى وتبين أنه لم يثبت حرمة شرعية مولوية تأسيسية للنظر مولوي شرعي بذلك بل انما هو بحكم العقل تثبيتا لحرمات الله ومنعا من أن يقرب حماه ومع الأمن وعدم الخوف لا مانع منه أصلا والله العالم بالصواب .